حتى اللحظات الأخيرة من كأس أمم إفريقيا 2025، كان مسار البطولة يوحي بأنّها ستُحفظ في الذاكرة بوصفها المعيار الذهبي للقارة التي تمثلها. ملاعب المغرب كانت على مستوى عالمي، أرضيات الملاعب في حالة مثالية، الفرق أقامت في فنادق فاخرة، وكل من وصل إلى البلاد استطاع التنقل عبر وسائل نقل ميسورة الكلفة وموثوقة. أمّا ما إذا كان ذلك يجعلها «أفضل» - كما كان يكرّر رئيس الاتحاد الإفريقي لكرة القدم (كاف) باتريس موتسيبي، مستشهداً غالباً بأرقام الحضور والإيرادات كدليل - فهذه مسألة أخرى تماماً.
ثمة خطر يرافق التحديث يتمثل في أن يصبح كل شيء متشابهاً، وإذا كانت لكأس إفريقيا سمة واحدة عبر تاريخها، فهي أنّها لم تكن يوماً «فانيليا». ثم تغيّر كل شيء.
بغضّ النظر عمّا حدث خلال الأسابيع الـ4 السابقة، فإن كأس إفريقيا ستُذكر الآن بنهائيّها. فقد انقلبت المباراة بشكل حاد وخبيث عندما ألغى الحكم الكونغولي جان-جاك ندالا نغامبو هدف إسماعيلا سار المتأخّر برأسية بداعي وجود دفع من عبد الله سيك على أشرف حكيمي في بداية الهجمة، ثم منح بشكل مثير للجدل ركلة جزاء لأصحاب الأرض مع بقاء ثوانٍ فقط من الوقت بدل الضائع.
ما تلا ذلك بدا كمشهد من فيلم The Purge. فجأةً، بدا وكأنّ كل مظاهر القانون والنظام قد انهارت. واجه اللاعبون وأفراد الأجهزة الفنية بعضهم البعض. اندلعت اشتباكات بين مشجّعين سنغاليِّين ومصوّرين ومتطوّعين وقوّات أمن، استُخدِمت فيها الكراسي والمقاعد كأسلحة. نُقِل أشخاص على نقالات عبر أرض الملعب. وفي لحظة ما، بدا وكأنّ الأشخاص الوحيدين الذين لم يكونوا على أرضية الملعب هم لاعبو المنتخب السنغالي، الذين غادروا العشب احتجاجاً، بناءً على تعليمات مدرّبهم بابي ثياو.
وامتدّ الجنون حتى إلى منصة الصحافة، فتبادل صحافيّون متنافسون اللكمات. فالنقاشات الحادة ليست غريبة في مثل هذه الأماكن، لكن كان من الصعب تذكّر مناسبة أقدم فيها صحافي على ضرب آخر، وخصوصاً في حدث بارز كهذا. وبكل المقاييس، كانت تلك أكثر أمسية سريالية في مسيرتي المهنية.
محاولة فهم أسباب هذا الانفلات ستستغرق وقتاً، لا سيما أنّنا نملك في الغالب رواية واحدة للأحداث. مدرب المغرب وليد الركراكي وصف سلوك السنغال بأنّه «مخزٍ ومشين»؛ ولم نسمع تفسير ثياو، إذ أُلغيَ مؤتمره الصحافي بسبب مخاوف أمنية في المركز الإعلامي. كانت ليلة من هذا النوع.
ربما كان ساديو ماني، نجم السنغال والمهاجم السابق لليفربول، صاحب الرؤية الأوضح، لأنّه وسط الفوضى تراجع إلى الخلف إلى حدّ كبير. وعندما شجّعه ثياو، إلى جانب زملائه، على مغادرة أرض الملعب قبل صافرة النهاية (ما كاد قد يؤدّي إلى إنهاء المباراة)، أصرّ على البقاء.
وأياً كان السبب الذي سيقدّمه لهذا الموقف - سواء اعتقد أنّ مَن يملك مكانته في اللعبة عليه أن يكون أكبر من الجميع، أو كان هناك شيء من عدم الرغبة في أن تنتهي مسيرته الدولية على هذا النحو - فإنّه يستحق الإشادة.
وبالنظر إلى أنّه انتهى به الأمر فائزاً بالبطولة للمّرة الثانية في مسيرته الحافلة، ينبغي للتاريخ أن يُنصفه أكثر من أي شخص آخر. وربما كان ينبغي أن يُنصفه وحده. كما كان له دور كبير في مناشدة الجماهير السنغالية العودة إلى أماكنها، ما سمح باستئناف اللعب.
تحدّثت صحيفة «ذا أثلتيك» إلى صحافي إفريقي سَمِع من مامادو نداي، وهو مشجع سنغالي من داكار، إنّ الجماهير رأت قرار منح المغرب ركلة جزاء على أنّه ظلم. وغادر الملعب وهو يعتقد أنّ بعض المتورّطين أصيبوا بجروح خطيرة.
كانت لحظة صادمة، وإن كان ينبغي الإشارة إلى أنّ مثل هذه الحوادث ليست حكراً على كأس إفريقيا. فقد شاب نهائي كوبا أميركا 2024 في ملعب «هارد روك» في ميامي اضطرابات جماهيرية وسوء تنظيم. وفي نصف نهائي البطولة، عوقب 5 لاعبين أوروغويانيِّين بسبب اشتباكهم مع جماهير بعد الخسارة أمام كولومبيا في شارلوت. كما أنّ نهائي يورو 2020 شابته أيضاً اضطرابات جماهيرية خطيرة قبل المباراة، إثر اقتحام مشجّعين إنكليز ملعب «ويمبلي» من دون تذاكر، وكان كثير منهم تحت تأثير المخدّرات والكحول.
وباستثناء بعض المشكلات التنظيمية، كانت هذه بطولة أُديرت بسلاسة من دون صدمات أو اضطرابات كبيرة. ومع ذلك، وعلى امتدادها، شهدت وسائل التواصل الاجتماعي نقاشات محتدمة حول مزاعم تفضيل تحكيمي لصالح المغرب، الدولة التي لم تتوَّج باللقب منذ 50 عاماً واستثمرت ما لا يقل عن 1,6 مليار دولار في الملاعب، وتُعدّ الآن الدولة الأكثر نفوذاً كروياً في القارة.
لا يوجد أي دليل على وجود مثل هذه المؤامرة، لكنّ السياق لم يساعد في تهدئة الأمور. في العام الماضي، فازت نيجيريا على المغرب في نهائي كأس إفريقيا للسيدات، وهي مباراة أثارت أيضاً جدلاً حول مستوى التحكيم. وقدّم الاتحاد الملكي المغربي (FRMF) شكوى رسمية بشأن أداء نومانديز دوي، مدير التحكيم في الاتحاد الإفريقي؛ ولاحقاً، أُقيل من منصبه. أضافت هذه الحادثة إلى الشعور بأنّ المغرب يُصغى إليه داخل «كاف» بطريقة لا تحظى بها دول أخرى، وأنّ معايير التحكيم في القارة تمثل مشكلة.
وقبل انطلاق كأس إفريقيا للرجال، التقى موتسيبي بجميع الحُكّام المختارين للبطولة، وذكّرهم بأهمّية «الاحترافية والنزاهة والتميّز». ويوم الجمعة، عندما سُئل مباشرة في مؤتمر صحافي عن مستوى التحكيم في البطولة، تحدّث عن حديثه الأول مع الحكام، مشدّداً على أهمّية العمل «بأعلى درجات النزاهة والحياد والاستقلالية. من المهمّ ما يفكّر به المشجّع العادي. نحن نصغي إلى ذلك بانتباه شديد».
تبقى هذه الادّعاءات بلا أساس. لكنّ القلق بشأن مستوى التحكيم ليس في نهاية المطاف سوى واحدة من المشكلات التي سيتعيّن على الاتحاد الإفريقي والمغرب معالجتها بعد بطولة وعدت بالكثير، لكنّها انتهت بالفوضى.